ابن كثير

78

البداية والنهاية

عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا الخليفة المأبون - يعني يزيد بن معاوية - أيها الناس إنا نحتمل منكم كل الغرمة ما لم يكن عقد راية أو وثوب على منبر : هذا عمرو بن سعيد حقه حقه ، قرابته وابنه ، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا ، وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي ، وقد أعطيت الله عهدا أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء ، فليبلغ الشاهد الغائب . وقال الأصمعي : ثنا عباد بن سلم بن عثمان بن زياد عن أبيه عن جده . قال : ركب عبد الملك بن مروان ( 1 ) بكرا فأنشأ قائده يقول : - يا أيها البكر الذي أراكا * عليك سهل الأرض في ممشاكا ( 2 ) ويحك هل تعلم من علاكا * خليفة الله الذي امتطاكا لم يحب بكرا مثل ما حباكا فلما سمعه عبد الملك قال : أيها يا هناه ، قد أمرت لك بعشرة آلاف . وقال الأصمعي : خطب عبد الملك فحصر فقال : إن اللسان بضعة من الانسان ، وإنا نسكت حصرا ولا ننطق هذرا ، ونحن أمراء الكلام ، فينا رسخت عروقه ، وعلينا تدلت أغصانه ، وبعد مقامنا هذا مقام ، وبعد عينا هذا مقال ، وبعد يومنا هذا أيام ، يعرف فيها فصل الخطاب وموضع الصواب . قال الأصمعي : قيل لعبد الملك أسرع إليك الشيب ، فقال : وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين ؟ وقال غيره قيل لعبد الملك : أسرع إليك الشيب ، فقال : وتنسى ارتقاء المنبر ومخافة اللحن ؟ ولحن رجل عند عبد الملك - يعني أسقط من كلامه ألفا - فقال له عبد الملك زد ألف ، فقال الرجل : وأنت فزد ألفا ، وقال الزهري : سمعت عبد الملك يقول في خطبته : إن العلم سيقبض قبضا سريعا ، فمن كان عنده علم فليظهره غير غال فيه ولا جاف عنه ، وروى ابن أبي الدنيا أن عبد الملك كان يقول لمن يسايره في سفره : إذا رفعت له شجرة ، سبحوا بنا حتى نأتي تلك الشجرة ، كبروا بنا حتى نأتي تلك الحجرة ، ونحو ذلك . وروى البيهقي أن عبد الملك وقع منه فلس في بئر قذرة فاكترى عليه بثلاثة عشر دينارا حتى أخرجه منها ، فقيل له في ذلك فقال : إنه كان عليه اسم الله عز وجل . وقال غير واحد : كان عبد الملك إذا جلس للقضاء بين الناس يقوم السيافون على رأسه بالسيف فينشد ، وقال بعضهم : يأمر من ينشد فيقول : إنا إذا نالت دواعي الهوى * وأنصت السامع للقائل

--> ( 1 ) سقط من العقد 2 / 274 وفيه أن الوليد بن عبد الملك كان على البعير وليس عبد الملك . ( 2 ) في العقد الفريد 2 / 263 : قدم عمر بن علي بن أبي طالب على عبد الملك فسأله أن يصير إليه صدقة علي فقال عبد الملك متمثلا بأبيات ابن الحقيق .